ابن الجوزي
81
صفة الصفوة
وعن سهل بن يحيى محمد المروزي قال : أخبرني أبي عن عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز قال : لما دفن عمر بن عبد العزيز سليمان بن عبد الملك وخرج من قبره سمع للأرض هدّه أو رجّة فقال : ما هذه ؟ فقيل : هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قرّبت إليك لتركبها . فقال : ما لي ولها ؟ نحّوها عني ، قرّبوا إلي بغلتي . فقربت إليه بغلته فركبها فجاءه صاحب الشرط يسير بين يديه بالحربة فقال : تنحّ عني ما لي ولك ؟ إنما أنا رجل من المسلمين . فسار وسار معه الناس حتى دخل المسجد فصعد المنبر واجتمع الناس إليه فقال : يا أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين ، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم . فصاح المسلمون صيحة واحدة : قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فل « 1 » أمرنا باليمن والبركة . فلما رأى الأصوات قد هدأت ورضي به الناس جميعا حمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقال : أوصيكم بتقوى اللّه فإن تقوى اللّه خلف من كل شيء ، ليس من تقوى اللّه عزّ وجل خلف فاعملوا لآخرتكم فإنه من عمل لآخرته كفاه اللّه تبارك وتعالى أمر دنياه ، وأصلحوا سرائركم يصلح اللّه الكريم علانيتكم وأكثروا ذكر الموت وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم فإنه هادم اللذات ، وإن من لا يذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم عليه السلام أبا حيا لمعرق في الموت ، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها عزّ وجل ولا في نبيها ولا في كتابها ، إنما اختلفوا في الدينار والدرهم وإني واللّه لا أعطي أحدا باطلا ولا أمنع أحدا حقا . ثم رفع صوته حتى أسمع الناس فقال : يا أيها الناس : من أطاع اللّه فقد وجبت طاعته ومن عصى اللّه فلا طاعة له ، أطيعوني ما أطعت اللّه فإذا عصيت اللّه فلا طاعة لي عليكم .
--> ( 1 ) أي تولي أمرنا .